القرطبي
26
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ( 172 ) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ( 173 ) قوله تعالى : ( لن يستنكف المسيح ) أي لن يأنف ولن يحتشم . ( أن يكون عبدا لله ) أي من أن يكون ، فهو في موضع نصب . وقرأ الحسن : ( إن يكون ) بكسر الهمزة على أنها نفى هو ( 1 ) بمعنى ( ما ) والمعنى ما يكون له ولد وينبغي رفع يكون ولم يذكره الرواة ( 2 ) . ( ولا الملائكة المقربون ) أي من رحمة الله ورضاه ، فدل بهذا على أن الملائكة أفضل من الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ، وكذا ( ولا أقول إني ملك ( 3 ) ) وقد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى في ( البقرة ) ( 4 ) . ( ومن يستنكف ) أي يأنف ( عن عبادته ويستكبر ) فلا يفعلها . ( فسيحشرهم إليه ) أي إلى المحشر . ( جميعا ) فيجازي كلا بما يستحق ، كما بينه في الآية بعد هذا ( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) إلى قوله : ( نصيرا ) . وأصل " يستنكف " نكف ، فالياء والسين والتاء زوائد ، يقال : نكفت من الشئ واستنكفت منه وأنكفته أي نزهته عما يستنكف منه ، ومنه الحديث سئل عن " سبحان الله " فقال : ( إنكاف الله من كل سوء ) يعني تنزيهه وتقديسه عن الأنداد والأولاد . وقال الزجاج : استنكف أي أنف مأخوذ من نكفت الدمع إذا نحيته بإصبعك عن خدك ، ومنه الحديث ( ما ينكف العرق عن جبينه ) أي ما ينقطع ، ومنه الحديث ( جاء بجيش لا ينكف آخره ) أي لا ينقطع آخره . وقيل : هو من النكف وهو العيب ،
--> ( 1 ) من ز . ( 2 ) في مختصر الشواذ لابن خالويه : إن يكون بكسر الهمزة ورفع يكون . الحسن وقتادة وأبو وافد يجعل إن بمعنى ما . ( 3 ) راجع ج 9 ص 27 . ( 4 ) راجع ج 1 ص 289 .